الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
192
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [ الشعراء : 63 ] ، وإن كان حرف العطف مختلفا ، ومثل هذا الحذف كثير في إيجاز القرآن . والتعريف في الْماءَ للعهد ، أي ماء القرية الذي يستقون منه ، فإن لكل محلة ينزلها قوم ماء لسقياهم وقال تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [ القصص : 23 ] . وأخبر عن الماء بأنه قِسْمَةٌ . والمراد مقسوم فهو من الإخبار بالمصدر للتأكيد والمبالغة . وضمير بَيْنَهُمْ عائد إلى معلوم من المقام بعد ذكر الماء إذ من المتعارف أن الماء يستقي منه أهل القرية لأنفسهم وماشيتهم ، ولما ذكرت الناقة علم أنها لا تستغني عن الشرب فغلّب ضمير العقلاء على ضمير الناقة الواحدة وإذ لم يكن للناقة مالك خاص أمر اللّه لها بنوبة في الماء . وقد جاء في آية سورة الشعراء [ 155 ] قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ، وهذا مبدأ الفتنة ، فقد روي أن الناقة كانت في يوم شربها تشرب ماء البئر كله فشحّوا بذلك وأضمروا جلدها عن الماء فأبلغهم صالح إن اللّه ينهاهم عن أن يمسوها بسوء . والمحتضر بفتح الضاد اسم مفعول من الحضور وهو ضد الغيبة . والمعنى : محتضر عنده فحذف المتعلق لظهوره . وهذا من جملة ما أمر رسولهم بأن ينبئهم به ، أي لا يحضر القوم في يوم شرب الناقة ، وهي بإلهام اللّه لا تحضر في أيام شرب القوم . والشّرب بكسر الشين : نوبة الاستقاء من الماء . فنادوا صاحبهم الذي أغروه بقتلها وهو قدار - بضم القاف وتخفيف الدال - بن سالف . ويعرف عند العرب بأحمر ، قال زهير : فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم * كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم يريد أحمر ثمود لأن ثمودا إخوة عاد ( ولم أقف على سبب وصفه بأحمر وأحسب أنه لبياض وجهه ) . وفي الحديث « بعثت إلى الأحمر والأسود » ، وكان قدار من سادتهم وأهل العزة منهم ، وشبهه النبي صلى اللّه عليه وسلم بأبي زمعة - يعني الأسود بن المطلب بن أسد - في قوله : « فانتدب لها رجل ذو منعة في قومه كأبي زمعة » ( أي فأجاب نداءهم فرماها بنبل فقتلها ) . وعبر عنه بصاحبهم للإشارة إلى أنهم راضون بفعله إذ هم مصاحبون له وممالئون . ونداؤهم إياه نداء الإغراء بالناقة وإنما نادوه لأنه مشتهر بالإقدام وقلة المبالاة لعزته . و فَتَعاطى مطاوع عاطاه وهو مشتق من : عطا يعطو ، إذا تناول . وصيغة تفاعل